العيني

14

عمدة القاري

قال مُجَاهِدٌ الصَّافِنَاتُ صَفَنَ الفَرَس رَفَعَ إحْدى رِجْلَيْهِ حتَّى تَكُونَ علَى طَرَفِ الحَافِرِ ، الجِيَادُ السِّرَاع أي : قال مجاهد في قوله تعالى : * ( إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد ) * ( ص 1764 ; : 13 ) . أن الصافنات من صفن الفرس إلى آخره يعني : مشتق منه وهو جمع صافنة ، وقال النسفي : الصافن من الخيل القائم على ثلاث قوائم ، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر ، والصفون لا يكاد يكون في الهجن وإنما هو في العراب الخلص ، ووصل الفريابي إلى مجاهد ما قاله ، لكن في روايته : يديه ، والموجود في أصل البخاري : رجليه ، وصوب القاضي عياض ما عند الفريابي . قوله : ( الجياد السراع ) بكسر السين المهملة ، وفي التفسير : الجياد المسرعة في الجري جمع جواد ، وقيل : جمع جيد ، جمع لها بين وصفين محمودين . جَسَداً شَيْطانَاً أشار به إلى ما في قوله تعالى : * ( وألقينا على كرسيه جسداً ) * ( ص 1764 ; : 43 ) . وفسر جسداً بقوله : شيطاناً ، وقال الفريابي : حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح في قوله تعالى : * ( وألقينا على كرسيه جسداً ) * ( ص 1764 ; : 43 ) . قال : شيطاناً يقال له آصف ، قال له سليمان ، عليه الصلاة والسلام ، كيف تفتن الناس ؟ قال : أرني خاتمك أخبرك ، فأعطاه فنبذه آصف في البحر فساخ ، فذهب سليمان وقعد أصف على كرسيه ومنع الله نساء سليمان فلم يقربهن ، فأنكرته أم سليمان ، وكان سليمان عليه الصلاة والسلام ، يستطعم ويعرفهم بنفسه فيكذبونه حتى أعطته امرأة حوتاً فطب بطنه فوجد خاتمه في بطنه ، فرد الله إليه ملكه ، وفر آصف فدخل البحر . ورواه ابن جرير من وجه آخر عن مجاهد : أن اسمه آصر ، آخره راء ، ومن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : أن اسم الجن : صخر ، ومن طريق السدي كذلك . انتهى . قلت : في هذا نظر من وجوه : الأول : أنه يبعد من سليمان أن يناول خاتمه لغيره ليراه مع علمه أن ملكه قائم به . والثاني : لا يليق أن يقعد شيطان على كرسي نبي مرسل الذي أعطي ما لا يعطى غيره من الملك العظيم . والثالث : أن آصف ، بالفاء في آخره : هو معلم سليمان وكاتبه في أيام ملكه ، والذي أظن أن الصحيح أن سليمان لما افتتن بسبب ابنة ملك صيدون واصطفى ابنة ملكها لنفسه وأحبها صورت في بيتها صورة أبيها ، وكان سليمان ، عليه الصلاة والسلام ، إذا خرج من بيتها كانت هي وجواريها يعبدون هذه الصورة حتى أتى على ذلك أربعون يوماً ، وبلغ ذلك آصف بن برخياء فعتب على سليمان ، عليه الصلاة والسلام ، بسبب ذلك ، فعند ذلك سقط الخاتم من يده ، وكان كلما أعاده كان يسقط ، فقال له آصف : إنك مفتون ، ففر إلى الله تائباً من ذلك وأنا أقوم مقامك وأسير في عيالك وأهل بيتك بسيرك إلى أن يتوب الله عليك ويردك إلى ملكك ، ففر سليمان هارباً إلى الله تعالى ، وأخذ آصف الخاتم فوضعه في يده فثبت وغاب مدة أربعين يوماً ، ثم أن الله تعالى لما قبل توبته رجع إلى منزله فرد الله إليه ملكه وأعاد الخاتم في يده . وقيل : المراد من الجسد ابنه ، وذلك أنه لما ولد له قالت الشياطين : نقتله وإلاَّ لا نعيش معه بعده ، ولما علم سليمان ذلك أمر السحاب حتى حملت ابنه وعدى في السحاب خوفاً من مضرة الشياطين ، فعاتبه الله لذلك ، ومات الولد فألقى ميتاً على كرسيه فهو الجسد الذي قال الله تعالى : * ( وألقينا على كرسيه جسداً ) * ( ص 1764 ; : 43 ) . وهذا هو الأنسب والأليق من غيره ، ويؤيده ما قاله الخليل : لا يقال الجسد لغير الإنسان من خلق الأرض ، وقال ابن إسحاق : وكان الخاتم من ياقوتة خضراء أتاه بها جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، من الجنة مكتوب عليها : لا إلاه إلاَّ الله محمد رسول الله ، وهو الخاتم الذي ألبسه الله آدم في الجنة . رُخَاءً طَيِّبةً حَيْثُ أصابَ حَيْثُ شَاءَ أشار به إلى ما في قوله تعالى : * ( فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء ) * ( ص 1764 ; : 63 ) . وفسر رخاء بقوله : طيبة ، ويروى طيباً ، بالتذكير ، وفسر قوله : حيث أصاب ، بقوله : حيث شاء ، بلغة حِمْيَر . فامْنُنْ أعْطِ بِغَيْرِ حِسابٍ بِغَيْرِ حَرَجٍ أول الآية : * ( هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ) * ( ص 1764 ; : 93 ) . وفسر قوله : فامنن ، بقوله : أعط ، والعرب تقول : منَّ علي برغيف ، أي : أعطانيه ، وفسر قوله : بغير حساب ، بقوله : بغير حرج ، وقال الحسن البصري . رحمه الله : إن الله لم يعط أحد أعطية إلاَّ جعل فيها حساباً إلاَّ سليمان ، فإن الله أعطاه عطاء هنيئاً ، فقال : هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ، قال : إن أعطي أجر ، وإن لم يعط